عن النهايات والبدايات، عن الحياة التي تركض ولا تنتظر

كتبت عنوان هذه التدوينة قبل ستة أشهر عندما شعرت أنه “حان الوقت” للرحيل

تنشأ الشركات الصغيرة أو الناشئة أو الستارتاب نتيجة لإجتماع شباب أذكياء مع فكرة مدهشة ومستثمر، تكون غالبًا سابقة في سوق العمل، أو منتج يقدم حل لمشكلة يعاني منها السوق بشكل عام.
يميز الشباب حماسهم وجرأتهم على التضحية بالمكاتب الأنيقة والمباني الفخمة والرواتب والبدلات المغرية، يميزهم تمردهم على نموذج العمل التقليدي لنموذج جديد يختلف من شركة لأخرى حسب رؤية مؤسسيها

تعرفت على هذا العالم بالصدفة، كنت أعمل في جامعة الأميرة نورة مشرفة على بحوث طالبات السنة التحضيرية، في جو وظيفي غارق في السلبية والسوداوية والكثير الكثير الكثير من نقل الكلام المفيد وغير المفيد، أحاول عزل نفسي عنهم مرة وأفشل في مرات كثيرة، وفي قمة هذا التأرجح والسلبية وجدت إعلان في تويتر لوظيفة “كاتبة محتوى” في شركة تجارة إلكترونية .. قدمت عبر الرابط ووصلني اتصال في نفس الليلة، وبدأت العمل معهم بعدها بيومين أو ثلاثة -لا أذكر-  بدأت في العمل عن بعد لمدة ثلاثة أشهر، أقوم اما بكتابة وصف جديد للمنتجات التي يعرضها الموقع أو ترجمتها عن المواقع الإنجليزية، بعد شهر من العمل، استقلت من الجامعة وفي ٢/٢/٢٠١٣ وقعت عقد العمل مع شركة بحر للتجارة الإلكترونية – موقع فانيلا-  بدأت العمل في هذا المكان وخلفيتي الوحيدة عن العمل ماعرفته من سنوات التطوع والعمل في الجامعة، لم أدرس في جامعات أمريكية وأوروبية، لا أعرف عن الشركات إلا ما أسمعه بشكل عابر في نقاشات اخوتي ولست ابنة عائلة عملت في التجارة، لكن ماكنت واثقة منه أني أملك طاقة ايجابية كبيرة ورغبة في اكتشاف نفسي، كنت أعرف أن الدراسة البسيطة التي تلقيتها لن توصلني لأي إنجاز والتفكير بالعقلية التقليدية سيضعني في سباق البحث عن وظيفة حكومية، وبشكل واضح لم يكن هذا هو المستقبل الذي أطمح له.
في خضم كل هذه التغييرات، وصلني قبول الماجستير من جامعة الملك سعود في قسم الإعلام، في البرنامج المدفوع المسائي للجامعة المخصص للموظفين، براتب ٤ آلاف ريال بدأت العمل، ٥ أيام في الأسبوع بالإضافة إلى ٣ أيام في مسائية في جامعة الملك سعود، كانت تبدأ أيامي في الخامسة والنصف فجرًا وتنتهي في الثانية فجرًا .. أحصل على ٣ ساعات نوم كحد أقصى يوميًا ثم أستيقظ أعمل على بحث أو أستعد لإختبار قبل التوجه للعمل وفي منزل بلا خادمة و٤ شباب كانت الحياة دوامة من التفكير والعمل والبكاء في ليالي كثيرة جدًا.
العمل بين مجموعة من الشباب والشابات الأذكياء جدًا، بين كل هذه التجارب والحكايات كنت أنا الشخص غير المرئي، الفتاة الخجولة القادمة من خلفية أدبية بحتة، لم تعرف في حياتها غير الأدب الكلاسيكي والروايات والترجمة، لم تسمع بستانفورد من قبل وعلاقتها بهارفارد محصورة بما يذكر في الأفلام والكتب، البسيطة التي عندما تتحدث، تبدو وكأنها للتو خرجت من رواية كُتبت في العصر الفكتوري
كنت أتابع الثورات العربية بشكل يومي، أقرأ مايكتب في الصحف وأسمع نشرات الأخبار، أعرف سجون العالم العربي وقرأت عشرات  القصص عن غوانتينامو، لكن لم أسمع مسبقًا بمؤشرات الآداء ولا النمو ولا طرق إدارة فرق العمل ولا “قووقل دوكيومنتس” الإكتشاف الذي بهت أمامه!
أما الـ cc فكان مثل اكتشاف الدراجة في السعودية في السبعينات، شيئ مخيف والتعامل معه يتطلب حذر شديد
نعم، انتقلت من زمن لزمن في غضون أسابيع، تفتح العالم أمام عيني وكنت في مواجهة حقيقية مع ثقتي بنفسي، الثقة التي تتأرجح يوميًا والنظرة الدونية لمهاراتي، لكن قررت خوض الطريق الصعب، قررت أن أقاتل لحين افتتاح مراكز أبحاث أو صحف حقيقية يمكنني العمل بها
أنا التي لم تجرب أن تتمرد على الممنوع من قبل، النموذج المثالي للفتاة السعودية تمردت بدون تخطيط، كنت تائهة والتيه يخلق قوة لا نتوقعها!
خوفي من الفشل قابله حماس التعرف على العوالم الجديدة، هذا الحماس الذي أبقاني على قيد الأمل حتى اللحظة.

عملت كاتبة محتوى لسنة ونصف تقريبًا، تعرفت على التسويق خلال هذه الفترة، طلبت تغيير وظيفتي، التسويق قريب من الأدب والفن، نكتب نصوص ونتعامل مع تصاميم وفيه مهام مختلفة بعيدة عن الروتين، في مخيلتي كان التسويق يشبه شهر الحصاد في الحقول، نقطف الثمار ونحن نغني، أي نعمل ونحن نستمتع!
عملت على مواقع شبكات التواصل الإجتماعي، تفاجأت بعد عدة أشهر بطلب من مديري أن أكون رئيسة* الفريق، قبلت والخوف يأكل عقلي وأفكاري وثقتي، ثم تدرجت في إدارة الفريق الذي كبر وتوسع من موظفتين إلى سبع موظفات.
ساعدتني القراءة لأخرج من مآزق كثيرة، ساعدني مدرائي لأتطور، يعود الفضل بعد الله لهم، وجهوني وعلموني كما لو أني لم أتجازو السادسة، أخطأت الكثير من الأخطاء وكانوا متسامحين، فتحوا المجال لي لأفكر، وأفرغ طاقاتي، وفي كل مرة كنت أفاجأ بنتائج مشروع أتذكرهم بامتنان كبير

تركت بحر التجارة بعد خمس سنوات من العمل اليومي، الذي تجاوز في بعض الأيام ١٠ ساعات عمل، تركت المكان الذي أعتبره بيتي والناس الذين أعتبرهم أهلي، اكتشفت الحياة العملية وقرأت المليون الأول الحقيقي خارج كتب الرياضيات في هذا المكان، تعرفت على المشاريع ورجال الأعمال والتنمية والتطوير من خلال هذا المبنى الصغير المتواضع القابع في حي السليمانية في الرياض، هذه النافذة التي يمر من أمامها ألوف الناس يوميًا بشكل عابر، كانت بالنسبة لي نافدة نحو المستقبل.
في هذا المكان تعلمت وتخرجت واحتلفت بتخرجي، شاركتهم أحزاني وهمومي، تعرفت على أنفال، واكتشفت نفسي وتعرفت على اهتماماتي القادمة.
أتذكر الآن كثير من المواقف المضحكة، خيالي الذي يوقعني في مواقف محرجة بشكل مستمر كان حاضرًا خلال هذه الرحلة، أتذكر مرة شاهدت فديو لأحد الزملاء يتكلم فيه عن الصدفة التي تعرف من خلالها على مدير الشركة، وبعفوية كان يتحدث عن مؤتمر عرب نت في بيروت والشارع الخلفي الذي التقى فيه بالمدير، كان الجميع متأثرًا وأعتقد أني الوحيدة التي كانت تتخيل الجو ورصيف الشارع والمقاهي المتناثرة على طرفي الطريق، وملابسهم والشمس أو الغيوم؟ احترت كان شتاء أو صيف؟ أنقذتني أصوات التصفيق وأعادتني للواقع.
أحب تذكر هذه الأيام، كانت بسيطة وجميلة وفيها براءة يصعب علي وصفها

شكرًا بحر التجارة وفريقها على الدهشة التي غيرتهم بها حياتي نحو الأفضل، شكرًا على الثقة التي ساعدتم في بنائها، شكرًا على العلم الذي لم تبخلوا علي به
سيبقى حبكم في قلبي، وستبقون البيت الأول والأحب إلى قلبي

2 thoughts on “عن النهايات والبدايات، عن الحياة التي تركض ولا تنتظر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s